الزكاة ركن أساسي من أركان الإسلام، وتمثل نظامًا ماليًا واجتماعيًا متكاملًا يهدف إلى تحقيق التكافل والعدالة بين أفراد المجتمع. وهي ليست مجرد عبادة مالية يؤديها المسلم، بل منظومة أخلاقية واقتصادية تسهم في إعادة توزيع الثروة بطريقة متوازنة تضمن حفظ كرامة الإنسان وتلبية احتياجاته الأساسية. في البحرين، حيث يتسم المجتمع بروح الترابط الأسري والعلاقات الاجتماعية الوثيقة، تبرز الزكاة كأداة فعالة لتعزيز هذا الترابط وترسيخ قيم الرحمة والتعاون.
تقوم فكرة الزكاة على إخراج نسبة محددة من المال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، وتُصرف في مصارف محددة شرعًا، مثل الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من المستحقين. هذه الآلية تضمن أن تصل المساعدات إلى الفئات الأكثر حاجة، وتمنع تركز الثروة في أيدي فئة محدودة. في المجتمع البحريني، تسهم الزكاة في دعم الأسر ذات الدخل المحدود، وتوفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وكساء وتعليم ورعاية صحية، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من مظاهر الفقر.
ومن الناحية الاقتصادية، تمثل الزكاة وسيلة لتنشيط الدورة المالية داخل المجتمع. فعندما تُدفع الزكاة إلى المستحقين، تُعاد هذه الأموال إلى السوق من خلال الإنفاق على السلع والخدمات، ما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي. وفي البحرين، التي تعتمد على قطاعات متعددة مثل الخدمات والتجارة، يمكن للزكاة أن تسهم بشكل غير مباشر في دعم هذه القطاعات عبر زيادة القوة الشرائية لدى الفئات المحتاجة.
كما تلعب الزكاة دورًا مهمًا في تعزيز روح المسؤولية الاجتماعية لدى الأفراد وأصحاب الأعمال. فإخراج الزكاة يذكّر الإنسان بأن المال أمانة، وأن له حقًا معلومًا للفقراء. هذه القيمة تعزز الشعور بالمشاركة المجتمعية، وتدفع الكثيرين إلى المساهمة أيضًا في أعمال خيرية أخرى، مثل الصدقات والوقف والمبادرات التطوعية. وبهذا تتكامل الزكاة مع مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية في البحرين، لتشكّل شبكة دعم متكاملة تسعى لخدمة المجتمع.
ولا يقتصر أثر الزكاة على الجانب المادي فحسب، بل يمتد إلى الجانب النفسي والروحي. فهي تطهّر النفس من الشح والبخل، وتنمي فيها الإحساس بالآخرين. كما تمنح المستفيدين شعورًا بالكرامة، إذ يحصلون على حقهم المشروع دون منّة أو إذلال. هذا الجانب مهم جدًا في مجتمع محافظ ومتماسك مثل المجتمع البحريني، حيث تُعد الكرامة الإنسانية قيمة عليا.
ومن آثار الزكاة أيضًا تقليل الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. ففي أي مجتمع قد تظهر فروقات في مستويات الدخل، لكن وجود نظام كالزكاة يحد من اتساع هذه الفجوة ويعزز العدالة. في البحرين، حيث تسعى الدولة إلى تحقيق التنمية الشاملة وتحسين مستوى المعيشة، تتكامل الزكاة مع الجهود الرسمية في مجال الرعاية الاجتماعية، ما يسهم في تحقيق توازن أفضل بين مختلف فئات المجتمع.
وتبرز أهمية الزكاة بشكل خاص في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الطوارئ، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة أو فقدان بعض الأفراد لوظائفهم. في مثل هذه الظروف، تشكّل أموال الزكاة مصدر دعم سريع وفعّال، يخفف من حدة الضغوط على الأسر المتضررة. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تفعّل فريضة الزكاة بشكل منظم تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتعافي منها.
إضافة إلى ذلك، تسهم الزكاة في ترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يُعد من القيم الأساسية في الإسلام. فهي تضمن لكل فرد حدًا أدنى من الكفاية، وتحد من التفاوت الحاد في الثروة. وعندما يشعر الأفراد بأن هناك نظامًا عادلًا يراعي احتياجات الجميع، يزداد شعورهم بالانتماء والاستقرار، ويقل التوتر الاجتماعي.
ومن المهم أيضًا الإشارة إلى دور المؤسسات الرسمية والخيرية في البحرين في تنظيم جمع الزكاة وتوزيعها بطريقة شفافة وعادلة. هذا التنظيم يعزز الثقة بين المتبرعين والمستفيدين، ويضمن وصول الأموال إلى مستحقيها بكفاءة. كما يمكن تطوير آليات حديثة لإدارة الزكاة، مثل استخدام الأنظمة الإلكترونية وقواعد البيانات لضمان دقة التوزيع وتحقيق أكبر أثر ممكن.
وفي ظل التطور التكنولوجي، أصبح من الممكن توسيع نطاق الاستفادة من الزكاة عبر برامج تنموية، لا تقتصر على تقديم المساعدات المباشرة، بل تشمل تمويل مشاريع صغيرة للأسر المحتاجة، وتقديم دورات تدريبية وتأهيل مهني. هذا التوجه يحوّل الزكاة من مجرد دعم استهلاكي إلى أداة تمكين اقتصادي، تساعد الأفراد على الاعتماد على أنفسهم والمساهمة في تنمية المجتمع.
إن الزكاة في البحرين ليست مجرد واجب ديني يؤديه الأفراد، بل هي عنصر أساسي في بناء مجتمع متماسك ومتعاون. فهي تعزز قيم الرحمة والتكافل، وتدعم الفئات المحتاجة، وتسهم في استقرار الاقتصاد، وتحد من الفوارق الاجتماعية. ومع تفعيلها بشكل منظم ومدروس، يمكن أن تكون الزكاة ركيزة مهمة في تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع البحريني نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وتماسكًا.